مذكرة تحليلية
إلى من يهمه الأمر،
1) الهدف ونطاق الدراسة
تهدف هذه المذكرة إلى توضيح المخاطر البنيوية المترتبة على إدامة نمطٍ بعينه من الشرعية الدينية المُسيّسة في محافظة السويداء، ولا سيما في سياق أي ترتيبات أو اتفاقات سياسية مستقبلية قد تُفضي إلى الإبقاء على مرجعية دينية محددة في موقع السلطة دون معالجة جذور فقدان الشرعية والحوكمة.
تعتمد الدراسة على مقابلة مطوّلة من بودكاست الشرق مع الباحث رباح حلبي، وعلى الأدبيات الفكرية التي أُشير إليها في سياق الحوار، بوصفها إطارًا تحليليًا لفهم كيف تُصنَع الهوية والشرعية، وكيف تُدار سياسيًا.
لا تسعى هذه المذكرة إلى الفصل في المسؤوليات الجنائية الفردية، ولا إلى إصدار أحكام أخلاقية أو لاهوتية، ولا إلى تحميل أي عائلة أو جماعة مسؤولية جماعية. إنما تركّز على تقييم المخاطر المؤسسية والاجتماعية بعيدة المدى الناجمة عن استمرار تداخل المرجعية الدينية مع شبكات القوة السياسية والأمنية.
2) المصدر الأساسي
بودكاست الشرق: «الهوية المبتورة.. قصة دروز فلسطين»
يناقش الضيف تشكّل الهوية، وسياسات إدارتها، وأثر السلطة السياسية في إعادة صياغة وعي الأقليات، ضمن سياق تاريخي واجتماعي أوسع يشمل سوريا ولبنان وفلسطين.
3) الإطار التحليلي
تُظهر تجارب متعددة أن السرديات الشعبية والدينية يمكن أن تتحول من مكوّن ثقافي إلى أداة إنتاج شرعية سياسية. وعندما تُربط هذه السرديات بمنصب ديني مركزي، فإنها قد تُستخدم لإعادة تعريف السلطة بوصفها “قدرًا اجتماعيًا” أو “حقيقة فوق المساءلة”.
في هذا السياق، لا تُناقَش الادعاءات المرتبطة بـ“البركة” أو “الاصطفاء” أو “السر الإلهي” بوصفها معتقدات دينية، بل بوصفها آليات رمزية تُستخدم لتثبيت النفوذ، وضبط المجال العام، وتعطيل التداول الطبيعي للشرعية داخل المجتمع.
4) النتائج التحليلية
4.1 تقديس السردية وتحويل المنصب إلى مركز نفوذ دائم
تُظهر المعطيات أن تقديس موقع المرجعية الدينية عبر سرديات شعبية متوارثة قد يؤدي عمليًا إلى تحويل المنصب من وظيفة تمثيلية–أخلاقية إلى مركز نفوذ دائم، يُعاد إنتاجه خارج أي معايير مساءلة أو توافق مجتمعي فعلي.
ويكتسب هذا الخطر أهمية مضاعفة عندما يُطرح الإبقاء على المرجعية نفسها ضمن أي تسوية سياسية، بما يحوّل الاتفاق من حلٍّ انتقالي إلى تكريس لأزمة شرعية مؤجلة.
4.2 الأدلجة والاستشهاد الانتقائي بالمراجع
تُبرز المقابلة، وأعمال رباح حلبي الفكرية، كيف يمكن للسلطة السياسية أن تُعيد تشكيل هوية جماعية عبر خطاب انتقائي، واستشهادات فكرية تُستخدم لتبرير خيارات جاهزة سلفًا.
ويمكن إسقاط هذا الإطار التحليلي لفهم الكيفية التي يُعاد فيها تقديم مرجعية دينية محلية باعتبارها “ضامن الاستقرار”، بينما يجري تجاهل الأثر التراكمي لفقدان الثقة والانقسام المجتمعي المرتبط بها.
4.3 مخاطر أي اتفاق سياسي يُبقي الوضع القائم
إن أي ترتيب سياسي أو أمني يُبقي المرجعية الدينية نفسها في موقع السلطة، دون معالجة مسألة الشرعية، والفصل بين الرمز الديني وشبكات القوة، ينطوي على المخاطر التالية:
إعادة إنتاج الانقسام الداخلي بدل احتوائه؛
تحويل المرجعية الدينية إلى طرف سياسي دائم بدل كونها عامل توازن اجتماعي؛
تأجيل الانفجار الاجتماعي بدل معالجته، بما يحوّل الاستقرار الظاهري إلى هشاشة مزمنة؛
تشويه الهوية الدينية للأجيال القادمة عبر ربطها بمنطق العصبية والاصطفاف بدل القيم الأخلاقية الجامعة.
وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة لا تكمن في الأشخاص بحد ذاتهم، بل في بنية السلطة والشرعية التي يجري الإصرار على إبقائها دون مراجعة.
5) فقرة تقييم المخاطر (Risk Assessment)
انطلاقًا من المعطيات السابقة، يمكن توصيف الإبقاء على الشرعية الدينية المُسيّسة في موقع السلطة بوصفه أحد أعلى مصادر المخاطر البنيوية على أي تسوية سياسية مستقبلية في السويداء.
فحتى في حال نجاح ترتيبات أمنية أو سياسية قصيرة الأمد، فإن غياب الشرعية المجتمعية، واستمرار تسييس الرمز الديني، يؤديان إلى إنتاج استقرار شكلي عالي الهشاشة، قابل للانهيار عند أول اختبار جدي.
ويُخشى أن يتحول أي اتفاق يتجاهل هذه المسألة إلى عامل لإعادة تدوير الصراع بدل حله، عبر:
تحويل المرجعية الدينية إلى نقطة اعتراض دائمة داخل المجتمع؛
تعميق فجوة الثقة بين المجتمع وأي مسار سياسي مفروض؛
إبقاء البيئة المحلية عرضة للاختراق والتوظيف الخارجي؛
ترسيخ آثار نفسية–اجتماعية طويلة الأمد يصعب تفكيكها لاحقًا.
وعليه، فإن التعامل مع هذه المسألة بوصفها تفصيلًا ثانويًا، أو تأجيلها بحجة الاستقرار، لا يلغي الخطر بل يؤجله ويضاعف كلفته المستقبلية.
6) خلاصات وتوجهات مطلوبة في أي مسار مستقبلي
بناءً على ما سبق، ترى هذه المذكرة أن أي مسار سياسي جاد يهدف إلى الاستقرار طويل الأمد في السويداء ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
عدم اعتبار المرجعية الدينية القائمة عنصرًا محايدًا أو مُسلّمًا به في أي تسوية، بل إخضاعها لمعايير الشرعية المجتمعية والشفافية.
فصل موقع المرجعية عن أي شبكات قوة مسلحة أو رعاية سياسية، بوصف ذلك شرطًا بنيويًا للاستقرار.
إعادة تعريف دور المرجعية الدينية باعتباره دورًا أخلاقيًا–اجتماعيًا جامعًا، لا موقعًا سلطويًا دائمًا.
الإقرار بأن الإبقاء على الوضع القائم بحجة تجنب الصدمة قد يفاقم المخاطر بدل الحد منها، ويؤسس لأزمات أعمق مستقبلًا.
7) حدود الدراسة
لا تفصل هذه المذكرة في الوقائع الجنائية أو الاتهامات المتداولة، بل تحلل أثرها السياسي–الاجتماعي.
وتقتصر المراجع على ما أمكن التحقق منه علنًا، ريثما يتوفر تفريغ كامل للمقابلة يسمح بتوثيق أدق.
خلاصة ختامية
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تغيير الأشخاص، بل في الاستمرار في إنتاج شرعية دينية مُسيّسة تُستخدم كغطاء دائم للسلطة.
وأي اتفاق سياسي يُغفل هذه المسألة، أو يؤجلها، أو يتعامل معها كأمر ثانوي، يُخاطر بتحويل الاستقرار المؤقت إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد تمسّ المجتمع في عمقه الديني والاجتماعي.