مقدمة نقدية مختصرة
ضمن مقاله، يحاول وزير العدل إبراز ما قامت به الدولة ووزارة العدل في “مسار العدالة الانتقالية”، ويستند إلى إنجازات متعلقة بالإصلاح القضائي، وإعادة تنظيم المحاكم، وملاحقة متورطين بالانتهاكات، وفتح باب انتساب للقضاء الجديد، وغيرها من الإجراءات التنفيذية والإدارية. في المقابل، يقوم بنقل صورة مفاهيمية متداخلة بين دور الوزارة ودور هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية التي تشكّلت بموجب قرارات دستورية ورئاسية مؤخراً في سوريا، مما يستدعي نقداً قانونياً منهجياً.
1. التفريق بين العدالة الانتقالية والسيادة القضائية العادية
العدالة الانتقالية، وفق التعريف المعتمد في الأدبيات القانونية، ليست منظومة قضائية عادية ضمن جهاز الدولة فحسب، بل عملية وطنية متعددة الآليات تشمل:
- كشف الحقيقة
- المحاكمات الجنائية الخاصة بالانتهاكات الجسيمة
- برامج التعويض وإعادة التأهيل
- إصلاح المؤسسات
-
تدابير ضمان عدم التكرار
إضافًة إلى آليات غير قضائية كلجان الحقيقة وبرامج المصالحة المجتمعية. Wikipedia
في هذا السياق، وزارة العدل تختص عادة بمهام الإدارة القضائية: تنظيم المحاكم، إدارة النيابات، تعيين القضاة وتدريبهم، والإشراف على التنفيذ القضائي. عمل الوزارة مهامها الضيقة لا يمتد بطبيعته إلى تحديد السياسات العامة للعدالة الانتقالية، أو تنفيذ الآليات الخاصة بها، أو صياغة برامج إعادة التأهيل والمصالحة.
لكن في مقاله، الوزير يجمع بين هذه المهام ويطرحها كدليل على “التزام الوزارة بالعدالة الانتقالية”، دون أن يوضح الفصل المؤسسي بين صلاحيات الوزارة ودور الهيئة الوطنية المستقلة للعدالة الانتقالية التي تأسست لمنح إطار قانوني وإداري لهذه العملية. صحيفة الثورة
2. خلل المفهوم المؤسسي
وفق القرارات الرئاسية والقانونية التي أنشأت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، فإن الأخيرة تعمل كهيئة مستقلة ذات صفة عامة، وهي الجهة المخولة بوضع خطة العدالة الانتقالية، تحديد نطاق الجرائم الجسيمة، آليات المحاكمات الخاصة، الترتيبات الخاصة بالتعويضات، وبرامج إعادة الإدماج. هذه السيادة الاستراتيجية تجعل من الهيئة هيئة مركزية في العدالة الانتقالية، لا وزارة العدل. Wikipedia
وزير العدل في مقاله يجمع بين الإجراءات العادية لوزارته (الإصلاح المؤسسي، إعادة تنظيم القضاء) ويصفها على أنها جزء من العدالة الانتقالية بالضرورة، وهو خلط بين:
- صلاحيات تنفيذية قضائية تتولاها وزارة العدل.
- صلاحيات مؤسسية استراتيجية للعدالة الانتقالية تتولاها الهيئة أو جهات مستقلة أخرى.
هذا الخلط ينتج عنه تضليل مفاهيمي عن ماهية العدالة الانتقالية ومرجعياتها القانونية. على المستوى الأكاديمي، فإن العدالة الانتقالية تُعد إطاراً شاملاً يتجاوز وظائف وزارة العدل التقليدية. Wikipedia
3. خلط الأدوار وتأثيره على النزاهة والشرعية
من منظور الشرعية القانونية والحقوقية:
- إن تحميل وزارة العدل مسؤولية ما هو من صلاحيات هيئة مستقلة وذات طابع دستوري وسياسي يمكن أن يقوّض مبدأ الفصل بين السلطات ويحد من استقلالية الهيئة.
- يساهم هذا الخلط في ضعف الثقة في العملية لدى الضحايا والمجتمع المدني، خاصة إذا كانت وزارة العدل نفسها جزءً من مؤسسات الدولة التي يُنشد إصلاحها عبر العدالة الانتقالية.
- في تجارب العدالة الانتقالية الدولية، لا يكفي إصلاح القضاء العادي لوحده، بل يجب أن تُعطى الهيئة المستقلة الحق في قيادة العملية وتحديد أولوياتها ومراقبة تنفيذها دون تدخل مباشر من الهيئات التنفيذية العادية. sldp.ngo
4. تجاوز مفهوم محلي أحادي إلى تعريف شامل
ينبغي الاعتراف بأن العدالة الانتقالية في سوريا تواجه تحديات كبيرة مثل تحديد نطاق الجناة، ضمان مشاركة الضحايا، الإصلاح التشريعي، وتوحيد المعلومات المحققة. لكن هذا لا يعني أن الوزارة هي الجهة الوحيدة المسؤولة؛ بل وجود جهة مستقلة لتحمل هذه المسؤولية القانونية والسياسية هو الأساس. sldp.ngo
أيضاً، التركيز فقط على إنجازات الوزارة يفقد الثقل القانوني للمسار، لأن ما تم تقديمه من نشاطات ليست كلها جزءاً من العدالة الانتقالية وفق الآليات والتعريفات القانونية الدولية، بل هي جزء من إصلاحات القضاء العادية والإدارية.
خاتمة توصيفية نقدية
يمكن القول إن خطاب وزير العدل يتضمن خلطًا منهجيًا بين صلاحيات الوزارة وصلاحيات هيئة العدالة الانتقالية، ما يثير أسئلة حول الفهم المؤسسي للدور القانوني لكل جهة، وضعف الفصل المؤسسي بين السلطة التنفيذية وبين الآليات المعنية بالمساءلة، التعويض، المصالحة.
وعليه، فإن النقد الأكاديمي لا ينكر جهود وزارة العدل في إصلاح الجهاز القضائي، لكنه يشدد على ضرورة:
- الفصل الواضح بين دور الوزارة ودور الهيئة المستقلة.
- تبني تعريفات قانونية موحدة للعدالة الانتقالية تستند إلى معايير دولية.
- تعزيز دور الهيئة في وضع السياسات، وليس الاكتفاء بالإجراءات الإدارية والتنظيمية.